الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
214
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المسلمين كما قيد في قوله تعالى قبله : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ [ النور : 34 ] كما تقدم . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب مُبَيِّناتٍ بفتح الياء على صيغة اسم المفعول ، أي بيّنها اللّه ووضحها ببلاغتها وقوة حجتها . وقرأ الباقون بكسر الياء على صيغة اسم الفاعل ، فإسناد التبيين إلى الآيات على هذه القراءة مجاز عقلي لأنها سبب البيان . والمعنى أن دلائل الحق ظاهرة ولكن اللّه يقدّر الهداية إلى الحق لمن يشاء هدايته . [ 47 - 50 ] [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 47 إلى 50 ] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( 49 ) أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 50 ) عطف جملة : وَيَقُولُونَ على جملة : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] لما تتضمنه جملة : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من هداية بعض الناس وحرمان بعضهم من الهداية كما هو مقتضى : مَنْ يَشاءُ . وهذا تخلص إلى ذكر بعض ممن لم يشأ اللّه هدايتهم وهم الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام وهم أهل النفاق . فبعد أن ذكرت دلائل انفراد اللّه تعالى بالإلهية وذكر الكفار الصرحاء الذين لم يهتدوا بها في قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [ النور : 39 ] الآيات تهيأ المقام لذكر صنف آخر من الكافرين الذين لم يهتدوا بآيات اللّه وأظهروا أنهم اهتدوا بها . وضمير الجمع عائد إلى معروفين عند السامعين وهم المنافقون لأن ما ذكر بعده هو من أحوالهم ، وعود الضمير إلى شيء غير مذكور كثير في القرآن ، على أنهم قد تقدم ما يشير إليهم بطريق التعريض في قوله : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ [ النور : 37 ] . وقد أشارت الآية إلى المنافقين عامة ، ثم إلى فريق منهم أظهروا عدم الرضى بحكم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم فكلا الفريقين موسوم بالنفاق ، ولكن أحدهما استمر على النفاق والمواربة وفريقا لم يلبثوا أن أظهروا الرجوع إلى الكفر بمعصية الرسول علنا .